صورة


حصريا: الغثاء الأحوى في لم طرائف وغرائب الفتوى - أحمد العرفج
الناشر: المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء
الطبعة: الأولى 2011
307 صفحة
تنويه: الكتاب أرسل إلينا من مصوره، وقمنا بتنسيقه وفهرسته، والشكر الجزيل له.
https://archive.org/details/al-ghothaa_al-ahwa_fatwa

نبذة عن الكتاب منقولة عن موقع الكاتب:

على طريقة العناوين التراثية المسجوعة يقتحم الكاتب السعودي أحمد العرفج الخوض في تناول مجال من أشد المجالات حساسية خصوصاً في بيئة كبيئة المجتمع السعودي متخذاً من الطريقة الساخرة تعبيراً مقتدراً للوصول إلى القارئ بلغة الفكاهة اللاذعة، ومباشراً في التأصيل وإيضاح هدفه وتحديد المسارات مع القارئ منذ البداية.

وإذا كان العرفج في مداخله من خلال مؤلفه الجديد “الغثاء الأحوى في لمّ طرائف وغرائب الفتوى” يبدو مهاجماً منذ البداية إلا أنه يستحضر آراء السلف وعلماء الأمة خصوصاً الأسماء الأكثر استشهاداً بها من قبل المتصدين للفتوى مثل: سفيان الثوري وأبي حنيفة، إلا أنه في ذات الوقت لا يتنبه أو أنه رأى أنه لا مفر من السقوط في فخ التبريرات المسبقة أو استباق الأسئلة المتربصة عن كاتب عمود يومي يشرع في التوثيق ومناقشة مواضيع حساسة كالفتاوى.

وفي مقدمته يستمر الكاتب في الإشارة لكون السلف حذروا من التساهل في إطلاق الفتاوى وضرورة التريث والتروي قبل الدخول فيها مورداً عن سفيان الثوري قوله: “إذا استطعت ألا تحكَّ رأسك إلاّ بأثر فافعل”، ومورداً موقفاً للإمام ابي حنيفة وكيف استقى الحذر من مقولة طفل صغير، ثم يعود ليقول القارئ إنه ليس غريباً عن الفتاوى وشؤونها وإن اهتماماته تبدأ منذ كان طالباً في المعهد العلمي في عنيزة (القصيم وسط السعودية)، معرجاً على حضوره بعض دروسها على يد الشيخ محمد بن عثيمين وصولاً إلى اهتمامه بجمع كل ما يقع بين يديه من الفتاوى حتى أوصله الأمر لتدوينها في هذا الكتاب والدفع به لمن وثق به لمراجعته قبل أن يعود للاستماع للنصح والتعديل في بعضه.
سرّ المؤلف

ويصف العرفج كيف أنه عاد لكتابة المقدمة لنفسه بعد أن اعتذر الأصدقاء قائلاً: والآن ها هو الكِتَاب يُقدِّم نفسه بنفسه، طلبت من الأصدقاء الأحباب أن يَكتبوا المُقدِّمة، أو أي واحد منهم فتعذّر كُل بعُذره، وإن كانت أعذارهم لا تُسمن ولا تَروي من عَطش!! مؤكداً أنه غير مبال لما سيقال من قبل البعض عن كون العمل شجاعة عاقلة، وقد يَعدّه الفريق الآخر حَماقة جَاهلة، وثالث يَعتبره حَواشي مَائلة أو نفخاً في نار خاملة!!

ولا يتوقف العرفج قبل إبداء تذمره ممن يمنع حتى نقاش كلام العلماء وأن لحومهم مسمومة، وصولاً إلى المطالبة بعدم “تصنيف عمله فلا يمكن أن يطلق عليه “بحث علمي” وإن كان لا يخلو من ملامحه، كما لا يمكن أن يطلق عليه “كتاب” وإن كان فيه من معالمه، إنه باختصار “لملمة” بكل ما في الكلمة من أبعاد”. رافضاً التواصل مع القارئ مرة أخرى في أبرز ما كان ينتظره الأخير بقوله: “أمَّا هدفي من هذا العمل فإنَّه سرّ بيني وبين الذي يَعلم السِّر وأخفى”.

الكتاب تضمن مقدمة كتبها المؤلف بنفسه بمسمى “الململم” ثم سبعة فصول طويلة، استعرض في أولها تأصيل الفتوى ومعناها، وعبارة (المفتي موقع عن الله)، وكتابة الفتوى، مروراً بحالة الفتوى عند السلف والتابعين وتطورها بعد الـ100 الرابعة، ثم تهيب السلف من الفتوى، ووراثة المفتي للمقام النبوي، وما اشترطه الأصوليون في المفتي، وصفات المفتي و”المفتية”، وفتوى الفاسق والمستور وعدد من المواضيع اللافتة الأخرى مثل هل الفتوى حكم الله أم حكم الشيخ.

أما الفصل الثاني فبدأه بمعالم في مخطط إصدار الفتوى، ثم إشارات في سبيل إنتاج الفتوى، ثم استعراض لأبرز كتب الفتاوى، معرجاً على عناوين لافتة مثل: المُفتي الثّقافي، منصب المفتي، تناقض الفتوى، بين حكم الله وحكم النّاس.

وفي الفصل الثالث حضرت الإثارة بقوة في المحتوى والعناوين حيث افتتحه بـ”فوضوية الفتاوى” والشكاوى من فوضوية الفتاوى، هاجس التدين، من الترف الفكري، هاجس الفتوى، الفتاوى في القرن الواحد والعشرين، بعض حيل المستفتين.

أما الفصل الرابع فاستعراض لتداعيات وحالات الجدل التي شهدها المجتمع السعودي والعربي نتيجة لتداعيات حول بعض فتاوى كبار العلماء.

وبرغم طرافة وقوة المحتوى التي تخدم العناوين إلا أن التساؤل يتكرر عن غرام الكاتب بالسجع الذي أوقعه كثيراً في التكلف في عناوين مثل: الاحتفاء بحكم تسريحة شعر النساء، القول الوفير في حكم حرية الرأي والتعبير، بعث الشّجن في احترام الوطن، الحروف البدرية في حكاية الصدرية، العُذْر فِي كَلِمَة “طَوِيل العُمْر”، وهو ما يوجد حالة من السأم والسخرية أحياناً لدى القارئ وينتزعه من عمق المحتوى، برغم أن الكاتب تميز في ترتيب النقولات للفتاوى وكأنه رتبها حسب الأهمية في المجتمع السعودي مع سخرية واضحة مثل قوله: إشعال القناديل في عالم السراويل، مكبرات الصوت بين زمنين، الخطر الدامي في قول “فكر إسلامي”.
هيئة صغار العلماء

إلا أن الكاتب بقدر ما ينفرط القارئ من قبضة سطوره يعود في إثارة جريئة لاستعادة حضوره، وكمثال ما يأتي في الفصل الخامس الذي عنونه بـ”فتاوى هيئة صغار العلماء” وبدأه بـ: هيئة صغار العلماء، تحفة الإخوان في تأصيل الكره والهجران، الهَفْوَة فِي تَحْرِيم الشَّاي وَالقَهْوَة.. الخ.

وفي الفصل السادس يعرض الكاتب لتداعيات ومقالات حول الفتوى، مبرزاً أكثرها إثارة للجدل في السعودية وأغربها لعام 2009، غير متخل عن عناوين الاثارة مثل “اغتصاب ثدي بذريعة فقهية”، “قرض القرضاوي.. قرضته”، وصولاً إلى ميادين الرياضة بفتاوى مثل “عالم سعودي: سجود اللاعبين لا يجوز وفيه إساءة للإسلام”.

أما الفصل السابع فخصصه لعناوين فتاوى لم تضمن في التقسيمات السابقة.

ولعله من المنصف القول إن الكاتب كان جريئاً وشجاعاً في ذات الوقت برغم تحسسه من الأسئلة وسوء الفهم الذي توقع أن يقرأ به البعض مؤلفه إلا أنه في التأصيل كان متشبثاً بأسس البحث العلمي إلى الحد المطلوب فهو يستشهد بكتب أئمة لهم مكانتهم في الإسلام، فمثلاً في جزئية “المفتي موقع عن الله” ينقل عن الامام ابن القيم استشهادات ثرية، وكذلك عن الحافظ ابن عبدالبر، والإمام النووي، وبعض الأحاديث النبوية المشهود بصحتها، ويدفع بالقارئ لإجابات تكاد تشكل الكثير مما هو مثار الحيرة في هذا المشهد في المجتمع السعودي، فمثلاً ينقل عن الإمام الشاطبي قوله “المفتي قائم في الأمة مقام النبي (صلى الله عليه وسلم)”، ومن خلال الفصل الأول تحديد ترد أسماء أبرز العلماء والكتاب والأئمة الذين تعرضوا في كتبهم للفتوى تاريخاً وتأصيلاً وتوصيفاً وباستشهادات عميقة من ابرز كتب الفقه.
استفت قلبك

ويبرز العرفج أثناء بحثه ميل أهل الفقه لارتياح المستفتين لإجابة المفتي، لذا جعلوها مدخلاً للقبول، وممراً للطمأنينة. وقد روى الإمام أحمد والدارمي في مسنديهما عن وابصة بن معبد (رضي الله عنه) قال: “أتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: جِئْتَ تسأل عن البر؟ قلت: نعم، قال: استفتِ قلبك، البرُّ ما اطمأنت عليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك”.

ويمكن القول إن من أبرز ما عرض له في بداية ومنتصف الكتاب ميل الفقهاء والعلماء لحقيقة وضرورة تغير الفتوى بتغير الأحوال والعودة إلى المصالح، وهو مما اختلف ويختلف فيه حتى الآن في مشهد الفقه الإسلامي ومثار جدل كبير بين العلماء.

الملاحظ أيضاً أن العرفج تجنب ذكر أسماء المفتين كثيراً مركزاً على وضع الفتوى ومقدماً لها ومعقباً عليها بالرغم من أنه قد يتبادر للقارئ أنه لو كان متجرد من (قبل) و(بعد) وتاركاً المساحة للقارئ لكان أفضل، وإن كان التقديم هو مدخل رئيس لم يتنازل عنها المؤلف.

وهو في نقاشاته برغم استدعاء الكثير من الرؤى للغير إلا أنها كانت كلها تبدو وكأنها يتم تطوعيها غالباً لرؤية المؤلف، وهي في نفس الوقت ملتزمة بعدم الفرض على القارئ، وهو أيضا شيء لافت في تدرجات ما بين الإقناع والعرض، فمثلاً في استعراضه لمصطلح “هيئة كبار العلماء” ووصفه للمصطلح بأنه “غريب” و”خادع كثيراً” يقول: “وهذا المصطلح يخدع كثيراً، فمن مفهوم المخالفة الوارد سابقاً، يمكن أن يفهم المتلقي أن هناك هيئة “متوسطي العلماء”، وهيئة “صغار العلماء”، لأن كل مصطلح يخفي تحته سُلطة، ويحجب في ظلاله مفهوماً آخر غير الذي كُشف عنه! ويبدو أن هذا المصطلح غريب بعض الشيء خاصة إذا عرفنا أن ما يُماثله ويُشابهه في أماكن أخرى” فهو هنا قد بدأ الأسئلة وينهها أو يغلقها وربما هو هدفه منذ البداية.

كما يأتي رصف المؤلف للعديد من أبرز المقالات حول الفتوى متلاقياً مع فكره وكأنه وضع نفسه منذ البداية في جهة حددها للقارئ، رافضاً التنازل عنها حتى النهاية، وبالتأكيد فإن ما نقله من مقالات قوية ليس من السهل تجميعها أو الحصول عليها.

وإذا كنا نسأل إن كان يحق لنا القول إن الكتاب يستحق القراءة وهو يعتبر وثيقة لمرحلة مهمة جداً وكاشفاً للستار عن رؤى مهمة من بينها رؤية الكاتب نفسه، فإننا نحتفظ بحق القول أيضا إن العرفج بالرغم من أنه قدم نفسه جامعاً (ململماً) إلا أنه في عرضه كان باحثاً مدققاً أكثر منه ناقلاً وراصداً وململماً، على حد تعبيره، وهو مما يحسب له.