صورة

حصريا ولأول مرة:
أمريكا على مفترق الطرق: ما بعد المحافظين الجدد - فرانسيس فوكوياما
ترجمة: محمد محمود التوبة
الناشر: العبيكان - الرياض
الطبعة: 2007
الحجم: 4 MB
276 صفحة
archive||gulfup||mediafire||4sahred

يشكل هذا الكتاب انشقاقاً فكرياً وسياسياً عن مشروع المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كان فرانسيس فوكوياما أحد المفكرين والمنظرين الكبار للمحافظين الجدد، وفي هذا الكتاب يبدو فوكوياما معارضاً وناقداً لسياسات بوش في العراق والحرب على الإرهاب، ويدعو في كتابه إلى طريق جديد وأكثر واقعية للولايات المتحدة الأمريكية لترويج التنمية السياسية والاقتصادية وتجنب الحرب الاستباقية. تراث المحافظين الجدد يقول فوكوياما: إن سياسات الولايات المتحدة في الحرب على أفغانستان والعراق ليست تطبيقاً للمبادئ المحافظة الجديدة كما أفهمها، ويصف قادة الإدارة الأمريكية وبخاصة الثلاثي بوش وتشيني ورامسفيلد بأنهم ليسوا مثقفين من المحافظين الجدد وأن تطبيقهم للحرب كارثي على المصالح الأمريكية . فقد فقدت الولايات المتحدة الأمريكية التأييد الأوروبي على نحو دائم، حتى إن بعض المواقف الأوروبية تنظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعداء مرير، وتحوّلت أمريكا اللاتينية إلى اليسار في ردة فعل نحو السياسات والمواقف الأمريكية، وشُغلت الإدارة الأمريكية بالشرق الأوسط عن شرق آسيا، المنطقة التي بدأت تشكل لأمريكا تحدياً إستراتيجياً. ويتفق مع فوكوياما في موقفه الجديد (كينيث بولاك) الذي كان أكثر المتحمسين لغزو العراق، وكان قبيل الغزو يشغل منصب مدير شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، ويُعتقد أنه لعب دوراً في رسم إستراتيجية الغزو، ففي كتابه "إستراتيجية أمريكية جديدة في العراق" يرى (بولاك) أن إدارة بوش لا تملك إستراتيجية قابلة للنجاح لإعمار العراق، وأخفقت في سد الفراغ الأمني الذي أعقب سقوط النظام السياسي في العراق، مما أدى إلى نشوء مقاومة ضد الاحتلال، وإخفاق الإدارة الحكومية في العراق، وتفتقر الولايات المتحدة كقوة محتلة إلى الطواقم اللازمة والقدرات والخبرات والمصادر الضرورية لإعادة بناء العراق. ويوافقهما أيضاً (وليام أدوم) مدير وكالة الأمن القومي الأسبق، والذي يطالب في كتابه"الإمبراطورية الأمريكية عن غير قصد" الإدارة الأمريكية أن تنسحب فوراً من العراق إذا أرادت أن تحافظ –برأيه- على نفسها كإمبراطورية، فلا تعود إمبراطورية عن غير قصد، كما يشير عنوان الكتاب. ولا يرى (أودوم) خطورة على هذه الإمبراطورية من دولة أخرى منافسة، فذلك يبدو مستحيلاً في ظل الواقع الأمريكي الغالب عسكرياً واقتصادياً على نحو ساحق، ولكن الخطورة تأتي من قيادة أمريكية غير فعّالة. ويعتقد فوكوياما أن إدارة بوش ارتكبت ثلاثة أخطاء كبرى، وتتمثل في المبالغة في تقدير التهديد الذي يواجه الولايات المتحدة الأمريكية من قبل الحركات الإسلامية المتطرفة، مما أدى إلى تسويغ رفع الحرب الوقائية لتكون القضية المركزية في إستراتيجية أمنية واقتصادية جديدة، وإخفاق إدارة بوش في أن تتوقع رد الفعل العالمي السلبي تجاه ممارستها لمبدأ الهيمنة "الخيرة"، وعدم ملاحظة أن بروز عالم ما بعد الحرب الباردة الأحادي القطب جعل مدى الهيمنة الأمريكية مصدر قلق حتى لأوثق حلفاء أمريكا، والخطأ الثالث كان إخفاق إدارة بوش في تهدئة وإعادة بناء العراق ودمجه في سياسات وبرامج إعمار وتنمية وتكوين حالة من التفاؤل كان يُفترض أن تؤدي إلى هندسة اجتماعية على نطاق واسع ليس في العراق فقط بل في الشرق الأوسط كله. كان المحافظون الجدد -كما يقرر فوكوياما- هم المسؤولون عن الحرب على العراق، وكانوا في موقفهم هذا، وطريقة تفكيرهم يعبرون عن حالة تشكلهم في ثمانينيات القرن العشرين متأثرين بعسكريين أمريكان ينتمون إلى الحقبة الماضية، مثل (شتراوس، وجافا، وبلوم). وهم أيضاً في سياساتهم الداخلية كانوا منحازين ضد الرفاه الاجتماعي والطبقات الفقيرة والوسطى، بل إنهم استخدموا وهذا أمر شاذ وغريب قوة ونفوذ الحكومة لمساعدة الأغنياء ضد الفقراء. وفي تخطيطهم وتفكيرهم للحرب على أفغانستان والعراق وتغيير أنظمة الحكم فيهما والتي اعتمدت أولوية للسياسة الخارجية الأمريكية كان المحافظون الجدد يستلهمون رؤية (شتراوس) وأنصاره التي تستحضر الخبرة الأمريكية في الغزو والحروب العسكرية، وليس التنسيق والتحالف مع المجتمعات المحلية، ومحاولة اكتساب تأييدهم وتعاونهم، وإقامة نظام إدارة وحكم سياسي واجتماعي بالمشاركة مع الناس والمجتمعات والأحزاب والقوى السياسية الوطنية، ومرد ذلك -برأي فوكوياما- إلى رؤية (شتراوس) القائمة على اعتقاد بأن نظام الحكم البديل الذي يحب إقامته في الدول المحتلة لا يستند إلى نظام ديموقراطي وتأييد شعبي، وإنما إلى قوة عسكرية تنشئ نظاماً دكتاتورياً متحالفاً على نحو مصيري مع الولايات المتحدة الأمريكية. تعود هذه الأفكار التي يشارك (شتراوس) فيها أيضاً المفكر (دولستير) إلى مرحلة الحرب الباردة والعداء مع الاتحاد السوفيتي والقائمة على كراهية عميقة وأيديولوجية للشيوعية، وهي الأفكار التي ساهمت في إنجاح ريغان في أوائل الثمانينيات، والذي يُعدّ بحق المؤسس الحقيقي لتيار المحافظين الجدد، وقد شكلت هذه الرؤية السياسية والعقدية أساساً للنظر في قضايا الأمن والسياسات الدفاعية والحرب الإيرانية العراقية والشرق الأوسط والسلاح النووي، وساهم تلاميذ (شتراوس) و(دولستير) من قادة السياسة الأمريكية في عهد ريغان في ترسيخ هذه السياسات التي لم يعد لها -برأي فوكوياما- مسوّغ؛ لأنها انتهت بانتهاء الحرب الباردة. وشهدت الثمانينيات أيضاً نشوء تحالف بين الرأسمالية الأمريكية المحافظة وبين التيارات الدينية الصاعدة، وكانت مؤيدة لسياسات حرية التجارة أكثر مما هي مشغولة بالديموقراطية وحقوق الإنسان، وبالمناسبة فإن فكرة المحافظين الجدد لم تكن مشروعاً واضحاً ومميزاً، ولكنها تتقاطع مع الأفكار والسياسات المحافظة في معظم المواقف والأفكار. وقد برز المفهوم "المحافظون الجدد" من خلال كاتبين هما: (إرفنع كريستول)، و(روبرت كاغان)، وهما على صلة وثيقة مع مجموعة بوش وإدارته، ولكن تراث المحافظين الجدد هو في الحقيقة تراث معقد، ولم تكن السياسات والمواقف التي اتخذها المحافظون الجدد تجاه العراق أو الصين أو غيرها من الحالات والدول قائمة على المضمون الفكري والسياسي الذي قدمه (كريستول) و(كاغان). وهناك قدر كبير من التنوع في الآراء التي تمسّك بها المحافظون الجدد، الذين ادّعوا لأنفسهم هذه الصفة طوال ربع قرن الماضي ولا شيء فيها يقترب من أن يكون خطاً لحزب، ومع ذلك فهي تتفق في أربعة مبادئ: إيمان بأن طبيعة الشخصية الداخلية لأنظمة الحكم مهمة، إيمان بأن قوة أمريكا قد استُخدمت ويمكن أن تُستخدم من أجل أغراض أخلاقية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تحتاج إلى أن تبقى منغمسة في الشؤون الدولية، وعدم الثقة في مشاريع الهندسة الاجتماعية الطموحة، وارتياب في مشروعية القانون الدولي وفي فاعليته، وفي مشروعية مؤسساته وفعاليتها في تحقيق الأمن والعدالة، ذلك على الرغم من أن (ويلسون) الذي يعتبرونه رائداً لهم كان يسعى إلى ترويج الديموقراطية من خلال إنشاء عصبة الأمم. التهديد والحرب الوقائية يقول المؤلف: إن المبادئ العامة للسياسة الخارجية لا تفرض مستوى الخطر الذي يجب على الولايات المتحدة أن تخاطر به لتحقيق غاياتها، وقد اختارت إدارة بوش الدفع نحو تغيير نظام الحكم في العراق، وهذه إستراتيجية قائمة على خطر مفترض ناشئ من احتمال امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وقد تشكل لدى الأمريكان بعد أحداث الحادي عشر من أيلول أن كل شيء قد تغير، وكأن هذا التغير هو الحقيقة التي ساعدت إدارة بوش على إقناع أكثرية الشعب الأمريكي بمساندة حربين في الشرق الأوسط، ولكن فوكوياما يتوقف مستدركاً عند هذه النقطة متسائلاً عن درجة التغيير والحدود التي تحكم رؤية المخاطر التي تهدد الولايات المتحدة في سياساتها وإجراءاتها، لقد تشكل إدراك لدى الأمريكان بأن الخطر الناشئ ضدهم قائم على التطرف الإسلامي وأسلحة الدمار الشامل، وهما تهديدان قائمان وموجودان بالفعل منذ فترة طويلة، ولكن القضيتين عندما وُضعتا معاً في حزمة واحدة تشكّل لدى الولايات المتحدة الأمريكية هاجس بتهديد نووي أو حيوي لا يمكن ردعه، والأمر الجديد الناشئ هو أن تستطيع منظمة صغيرة وضعيفة وليست دولة أن تنزل ضرراً كارثياً، وذلك يطرح تحدياً أمنياً غير مسبوق. كانت خطة إدارة بوش في التعامل مع التهديدات تعني أن كل دولة في العالم يمكن أن تشكل تهديداً، وأن دور القيادة الأمريكية للحرب الباردة يمكن أن يتحول إلى موقف الهيمنة، وهو تفكير -برأي فوكوياما- يحتوي في طياته على عدد من العيوب البنيوية والتناقضات التي تجعله بلا سند، ولا يمكن الدفاع عنه ليكون قاعدة طويلة الأمد من أجل مفاهيم السياسة الخارجية الأمريكية، فبرأي (كين جوويت) فإن المنطق الكامن خلف الإستراتيجية التوقعية قوي، ومع ذلك فإن تطبيقها الإستراتيجي يتطلب الحكمة المشتركة، وبداية فإن الافتراض من أجل هجوم توقعي يفترض قائداً معادياً ونظام حكم قوي يكاد يكون خاطئاً دائماً، ولا تشكل الأمثلة الصحيحة سوى استثناء لا حكم له، وعلى المرء -كما يقول فوكوياما- أن ينظر فقط إلى الاتحاد السوفيتي بعد عام 1956 وإلى الصين بعد عام 1978 الهندسة الاجتماعية ومشكلة التنمية يقول فوكوياما: إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قادرة على التصرف تصرفاً كريماً، حين تطابقت مثلها العليا مع مصالحها الخاصة، ولكن الولايات المتحدة قوة كبيرة أيضاً لها مصالح غير متصلة بأعمال الخير العالمية. ولكن رؤية المحافظين الجدد تجعل من المحتمل أن تتصادم مبادئها مع بعضها البعض في مجالات الديموقراطية والتنمية وحقوق الإنسان، فقد أُرجئت الديمقراطية لصالح الاستبدادية الليبرالية، على الرغم من أن الديموقراطية يجب أن تكون غاية بحد ذاتها، ولم تكن إدارة بوش قد أعطت تفكيراً كافياً لعمليات الانتقال الديموقراطي في العراق. وكان شعار التحرير والديموقراطية الذي غطى الحرب على العراق موضع سخرية؛ لأن الإدارة الأمريكية تخلت عنه بعد قليل، ولأنها لم تبذل في الوقت نفسه جهداً حقيقياً للاهتمام بمحنة الفلسطينيين، وفي الوقت الذي يريد فيه الكثير من الناس في الشرق الأوسط الديموقراطية لأنفسهم بشكل يائس، فإن هناك الكثير جداً من معاداة الأمريكيين في المنطقة إلى درجة الحاجة إلى الابتعاد بأنفسهم عن الولايات المتحدة الأمريكية والدعم الأمريكي، ولو أن هذه الفكرة جاءت من مجتمع الديموقراطيات بدلاً من واشنطن، لربما كانت قد تبنتها بسهولة أكبر، ذلك أن الحكم الأمريكي والإستراتيجية الأمريكية قد تكون أقصر نظراً ومشكوكاً في فاعليتها الإيجابية. يعرض فوكوياما هنا الخبرة الأمريكية في ترويج الديمقراطية بالمثال الشائع والمشهور عن اليابان وألمانيا، وكيف تحوّلتا من أنظمة دكتاتورية إلى ديموقراطية، وجرى انقلاب شعبي ضد القوى السياسية التي قادت البلدين إلى الحرب والهزيمة، ولكن شيئاً من ذلك لم يتم في العراق وغير العراق أيضاً. ربما تكون الولايات المتحدة -برأي فوكوياما- قد نجحت أيضاً في أوروبا الشرقية التي رحّبت بلدانها بالدعم الأمريكي لها، ومازالت من أهم وأفضل أصدقائها في العالم، ولكن ذلك لن يجري بالسهولة والطريقة نفسها في الدول العربية وفي روسيا والصين.