منتدى لمشاركة الكتب الإلكترونية ونشرها والبحث عن موضوعات كتب متنوعة

2 مشاركة صفحة 1 من 1
[SIZE="6"][font="Comic Sans MS"][align=center][color="Red"]التقاسيم الثلاثة للظاهرة الأدونيسية [/color]

[color="red"]د. منتصر حمادة *[/color]

كان حريّا بالكاتب والباحث د: محمد عمراني حنشي ,مؤلف كتاب " كيف تمت هندسة فيروس اسمه أدونيس " [color="Red"](1)[/color] , الابتعاد عن الإيحاءات السلبية المفروض أن يخلّفها هذا العنوان المريب , والتي جسّدت ذريعة "موضوعية " بين أيدي الفعاليات الأدبية المغربية والعربيّة على حد سواء , خوّلت لها قمع العديد من المحاور القيّمة التي جاء بها هذا الكتاب النقدي المتميّز , مقارنة مع قيمة ما نصطدم به من الأعمال الأدبية التي تمس الأصدقاء والأشقّاء في الصالونات الأدبية ...
وإذا استثنينا قراءة عابرة صدرت في يوميّة "الزمان" اللندنية و وبعيدة كل البعد عم مراد المؤلف – لان المسألة لا تتعلّق بالتهجّم على شعر أدونيس وشخصه كما توهّمت تلك الفعاليات , وفي مقدمتها السواد الاعظم من " النقّاد " المؤدلجين – فإن الصمت المطبق كان عنواناً فاضحاً وصالحاً نطلقه على "شيفرات " كتاب صحّت تسميته عندنا ب " الظاهرة الأدونيسية بتقاسيمها الثلاث "
تزامن صدور الطبعة الأولى من الكتاب مع استحقاقات معركة أدبية نقدية في مصر , على إثر صدور مؤلف "المرايا المحدّبة " لصاحبه الدكتور عبد العزيز حمّودة , الصّادر عن سلسلة "عالم المعرفة " , ولعل أبلغ ما صدر في حق هذه الظاهرة الصحيّة القاهريّة , هو الاستنكار المشهود الذي صدر على لسان المفكّر المصري الدكتور فؤاد زكريا , وحديثه عن أفراد وجماعات نصّبوا أنفسهم أصحاب توكيل للمدارس النقدية في ميدان النقد الأدبي المصري " [color="red"](2)[/color] .
وتزامن صدور الطبعة الثانية منه مع الزوبعة الادبية والشعريّة التي خلّفتها زيارة أدونيس إلى القاهرة , وما خلّفته من زوبعات " شعريّة " أخرى بين أحلاف وطبقات تبحث عن مراكز النفوذ في "الحقل" الشعري العربي .. وهذا موضوع آخر .
مفهوم " الذبابيّة " و " الفيرسة " في الثّقافة
الثقافة لغة , كما جاء في لسان العرب لابن منظور ,هي الحذق والمهارة و من فعل "ثقف" , وثقف الشيء أي حذقه , وتأتي أيضا بمعنى سرعة التعلّم و وترد عند ابن خلدون في المقدمة في وصف البدو في أوّل تملكهم , ثم طروء الهرم بعد ذلك , بقوله : " وتنقلب خلق التوحّش وينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك من شدّة البأس وتعود الافتراس .. فلا يفرّق بينهم وبين السَوقة من الحضر إلّا في الثقافة والشّارة " [color="red"](3)[/color] .
تنسحب الثقافة في التراث على المعرفة ,محيطة بموضوع المعرفة والفهم والحذق فيه , لنصل إلى تعريف المثقّف فهو " العارف المحيط بموضوعه والقادر على المنافحة أمام الخصوم والمخالفين بغرض تقويم مفاهيمهم أو معارفهم او تسويتها " (ص 14 ) , [color="red"](4)[/color]
أمّا في اللغات الأوروبيّة فالمقابل لمفهوم الثقافة بالفرنسية والانجليزية هو "culture" ووضع الكلمة في الأصل يفيد معنى الزراعة وهو الجذر في اللغة الألمانيّة "kulture" , وعرّفها الناقد الإنجليزي "ماثيو أرنولد , في القرن التاسع عشر بأنّها "البحث عن التهذيب الكامل لنا من خلال الاطّلاع على أفضل ما نفكّر به , وقيل في جميع الأمور التي تهمّنا في العالم "
فهي هنا أخلاقيّة وعالميّة , الجانب الأخلاقي في التعريف له علاقة بانشغالات أرنولد الشخصيّة واهتماماته , بوصفه أديبا وناقداً للكتب المقدّسة المسيحيّة , إذ هو صاحب كتاب "الأدب والعقيدة litterature and dogma" " , أمّا الشق الثاني وهو العالميّة أو الكونيّة فمردّه إلى المسيحيّة أيضاً والعلم البريطاني الذي لا تغرب عنه الشمس بسبب المستعمرات ( ص 15) أمّا في الفرنسية , فيعرفها القاموس "روبير" : ب : تنمية بعض ملكات العقل بوساطة تمرينات " تفكريّة " – عوض فكرية – ملائمة .
يلاحظ , في هذا التعريف , أن الرّابط بين الجذر الأصلي للكلمة , وهو الزراعة , وقد تشخّص في فعل النمو . أمّا ماهية ملكات العقل المبعّضة هنا و التي سوف تخضع لعملية التنمية , فقد ترك أمر البت في شأنها إلى أصحاب الشأن ! وكذلك هو حال " التمرينات الفكريّة " , ثم أخيراً الملائمة لهذا التعريف الملغّز .
والنتيجة مقاربة قيمة بين الزراعة ( بمدلولها الواسع ) مقابل الثقافة : العقل مقابل الحقل , الملكات مقابل البذور , التمرينات الفكريّة ,أو التفكّريّة حسب المؤلّف , مقابل أشغال الفلاحة , لنصل في النهاية إلى مفهوم المتفكّر (عوض المثقف ) , والأقرب إلى اللغوي , عند المتتبع العربي , والمتفكر – إذن – هو الذي ينمي بعض ملكات عقله بواسطة تمرينات تفكّرية ملائمة . والمقصود بها هنا التلقين الايديولوجي بالتنشئة والتمدرس وصياغة الفكر . وهي ملائمة من منظور عقدي ضمن مرجعية ما .
ويعقد د. حسين شاويش مقارنة لا تقل قيمة عن مقارنة عمراني , ( وإن كانت خارج رؤية "نص" هذا الأخير ) بين اختلاط مفهوم الثقافة مع مفهوم الحضارة بالمعنى الذي فهمه العرب والذي يمكن فهمه من بيت المتنبي :
حسن الحضارة مجلوب بتطريه .......... وفي البداوة حسن غير مجلوب
ليصل إلى تقابل : ثقافة / طبيعة , و حضارة / بداوة [color="red"] (5 )[/color] , وهكذا يستطيع الباحث استخلاص فروق مهمّة في انعكاس الشروط المادّية ( الطبيعية ) / الاجتماعيّة (الطبقية وسواها في منظومة القيم لدى كل من العرب والغربيين ) .
بعض استعراض علمي صرف لخصائص الفيروس , واستحضار آليات هذه الخصائص , ثم نقلها بالاستعارة إلى ميدان الثقافة , على غرار ما تخصصت فيه المدرسة الثوريّة ماقبل عصر الشفرة (code ) , يوصل إلى تعريف ما سمّاه المؤلّف بالمثقّف الفيروسي : " العميل المحلّي النّاقل لثقافة دخيلة على بيئة الأصل , بغرض تفكيكها وإحلال الدخيل مكان الأوّل " (ص 28) .
أمّا المثقف الذبابي فيصفه بالحثالي الناقل لثقافة من دون تمثّل للأصل والهدف فتتحول على يديه إلى شرَ دائم معد يقضي على الثقافة والهدف ( ص 27) .
فالثقافة تحتفظ بمظهرها الخارجي الذي ألفه المجتمع . إلا أن المضمون العقدي نابع من مرجعية الدخيل . فالعميل تقابله ترادفات مثل : المرتد والخائن والجاسوس .
لسنا هنا أمام حالة تثاقف أو تبادل معرفي بين مرجعيتين متكاملتين بغرض إغناء التجربة أو تنويع الفهم وتعميقه , كما في ثقافة "وولف" wolf , وإنما أمام حرب غير معلنة وخفيّة . غزو صامت من دون أي دوي أو فرقعة يتبعه تحلل وتفكك موت بطيء .
مسابقة دولية في "محو الذاكرة "
تحت إيحاءات هذا العنوان المثير , يسقط المؤلّف حديثه عن المثقّف "الفيروسي " على إعلان مجلة " مقدمات " , الصادرة في المغرب , بخصوص مسابقة دولية تحت شعار سؤال : " تحرير المستقبل من الماضي , أم تحري الماضي من المستقبل "[color="red"] ( 6 )[/color] تبعا لتقاليد أكاديمية العلوم والفنون في اوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر , مع تشبيهه ثلاثة مؤطرين عرب , من المشرفين الدوليين على المسابقة , وهم : صادق جلال العظم , فاطمة المرنيسي وعبد اللطيف اللعبي , باحصنة طروادة للثقافة الفرانكوفونية (ص 37 ) التي تحارب الهويّة العربية والدين جهرا وعلانية , وتشاركها في ذلك الماركسية .
لعل مفارقة أن يتم استرجاع تقليد أكاديميات العلوم والفنون خلال القرنين الماضيين بالذات – بيت القصيد – أي عصر الحداثة الأوروبي الذي يبدأ في ألمانيا مع لسنغ وهردر وعمانوئيل كانط ( ومذهبه النقدي وما أضاف تلامذته المباشرين : فشته وشلنغ وهيجل , وتلامذة الأخير كفيورباخ , وانتهاءً بكارل ماركس . وبدأ في فرنسا باصحاب الموسوعة ديدرو ودالمبير وروسو وينتهي بلاشيليه وبوترو .
والقطيعة التحررية , بيت القصيد الثاني حسب غمز المؤلّف , ليست غريبة على هؤلاء , سواء من الماضي أم من غيره , حيث ان أكثرهم ادّعاها أو كتب عنها , ليأتي الذين نشطوا بعدهم ليوصلوها !
فقصّة " آلام فرتر " التي تحمّس لها الشباب الألماني سنة 1774 م , لأنها قطيعة مع عقلانية الأنوار ومدشّنة للرومانسية , ماهي سوى إحياء ملفّق لوحدة وجود سبينوزا ومونادات monades (ذرّات روحيّة ) ليبينتز .

الحروب الاستعاريّة في العلوم
الالتباس في اللغة وعدم تحديد إشكاليّة من إشكاليات العلوم قديمة قدم اللغة نفسها .ووحدة المعنى , بوصفها شرطاً من شروط التفاهم , مع وجود مثل هذه العوارض قد لا تتحق سوى من خلال الحد أو العرف أو المواضعة , ونقاش أبي علي السيرافي (النحوي والأديب) مع أبي بشر متى القنائي (المنطقي المترجم ) في المفاضلة بين النحو العربي والمنطق اليوناني , لم يكن ولن يكون أولى المناقشات ولا آخرها حول مثل هذا الموضوع (ص39) . ويماثله الهجوم الذي شنّه الألماني نتشه على الفلسفة بمدخل اللغة [color="red"]( 7)[/color] ..وهذا ماقام به الفلاسفة على مر التاريخ , حيث يحاجج بأن مشكلة الفلسفة الاساسية في الغرب تدور حول الكينونة والوجود وأن الخطاب الفلسفي ادعى استناده إلى العقل , في حين أن تحليل هذا الخطاب يظهر لكل ذي لب أن الدور الرئيسي لم يلعبه العقل ولا التعقّل بقدر ما لعبته الاستعارة .
يُتَهم المؤلّف الخطاب الفلسفي بأنه استعاد و بدعوى العقل والعقلانية , جميع المؤسسات التشريعية والدينية والاخلاقيّة ووظّفها لصالحه و في عمليّة تبريريّة شاملة للواقع القائم , بينما الانساق الفلسفيّة هي بعيدة كل البعد عن هذا التعقّل , وما هي في آخر المطاف سوى استعارات حاكت النماذج الدينية واللاأخلاقيّة القائمة .
وهكذا خلص نتشه إلى أن "الوجود" استعارة ميته وليس نتاج عملية بحث عقلي وعقلاني , والاستعارة وحدها هي التي تصوغ المقولات جميعها , كمقولات : الموضوع –الوجود- الذات – الوعي – الجوهر – العرض ... إلخ قبل إصدار حكمه الكاسح على فلسفة هيغل القائل : إنها " عملية أرخنة للمقولات لا أقل ولا أكثر " ( ص 40) .
لا يلغي نتشه في نقده , اللجوء إلى الاستعارات وإنما يطالب بإبدال الاستعارات الميته والشاحبة والعنكبوتية حسب قوله , والتي هي لصيقة بالفلسفة , إلى استعارات حية في "إرادة القوّة " المفضية إلى السوبر مان ( وهو الذي اكتشفه النازيون لاحقا برنامجا قابلا للتطبيق , وقامو بتطبيقه بحذافيره ) . هذا زيادة على ظهور "نتشويات" أخرى نتجت عن تأويل نتشه , كنتشويات مارتن هايدغر وجورج باتاي وجيل دولوز وكارل ياسبرز وهانز غادامبر وغيرهم .
استشهد المؤلّف بما جاء في كتاب " الاحتيالات الثقافية " [color="red"] (8)[/color] من تأليف آلان سوكال وجاك بيركمون الذي كان وقعه "مفجعا " على العديد من رموز الثقافة الفرنسية المعاصرة ونظرائهم أو المتأثرين بهم في امريكا . اتهامات الكتاب كاسحة لا تُرد يسندها حشد هائل من النصوص التي يتعالم بها المثقفون المعنيون بتعالم وتحذلق معرفي [color="red"](9)[/color] .
فهذا جاك لاكان الذي انتحل , أو استعار , علم النفس يقول سوكال وبريكمون عنه إنه يستعمل خطابا ثقيلا وطنانا يؤثر في سامعيه بمعرفة سطحية , وأنه يدمغ القارىء بمفردات من علم المنطق والجبر والهندسة والطبولوجيا التفاضلية , من دون أدنى اهتمام لما تعنيه , ثم إن تقريراته خالية الدلالة , وفي الحالات التي يكون لها معنى في مبتذلة وتافهة ولا يقف المرء على صلتها بالموضوع ( ص 54) .
هناك خاصية نبه إليها سوكال وبريكمون , وهي تضافر المثقفين في شأن بعضهم بعضاً على منابرهم , انتصاراً لباطلهم وما ينتحلون , وهذا مالاحظناه على البنيوي الفرنسي ألتوسير , حيث يقول في صاحبه لاكان : يكفي لهذه الغاية بأن لاكان أسبغ أخيراً على فكر فرويد المفاهيم العلمية التي يتطلبها !
وبالتقييم اللاذع نفسه يسلّط سوكل وبريكمون ضوءهما الكاشف على جوليا كريستفيا , التي تتفوّق على لاكان في اللامعنى واللامعقول والتعالم المتشدّق الواهم , إذ يأخذان عليها قولها : إن معادلة اينشتاين ليست سوى معادلة جنسية ! ثم هي لا تتردد في الاستعارة من أولية الاختيار و"نظريّة غودل" وعند المنطقيين الرياضيين من دون إلمام لا بالنظريّة ولا بالأولية [color="red"](10)[/color] . أما الاجتماعي جان بودريارد , فلم يخرج عن المألوف ,في صيغة استعمالاته لتركيبات لغويّة لا معنى لها من نمط : الفضاء الفوقوي المتعدد الانكسارات , فمفاهيم مثل "فضاء" فضاء فوقي وانكسار , مفاهيم متداولة على انفراد في الفيزياء , أما جمعها في التركيب السابق , فطنّان وخال من المعنى .

وهكذا الحال مع مئات الأمثلة والنصوص الشاهدة على نوع المثقفين برعت الثورة الفرنسية في إنتاج أنماطهم , منهم جان فرنسوا ليوتار الذي استعار من الفيزياء والنسبية العامة ونظرية الجزيئات الأولية , الأنثوية لوس اريغاري وولعها باستعارات من المنطق الرياضي , ميكانيكيا السوائل , الطبولوجيا الاجتماعي برونولاتور وهلوسته بنظرية إينشتاين , فليكس غاتاري مع الدوال الرياضية .... وحتّى جاك دريدا مع النسبية العامّة ...إلخ ( ودريدا على الأقل ما ظلم . إذ هو زعيم المفككين في العصر الحاضر) .
هذه الاستعارات المعادة هي التي جعلت روث هبار تكتب : بالنسبة للبشر فإن اللغة تؤدّي دوراً رئيسياً في توليد الواقع , إلّا أن فعل التسمية يحدث ضمن خلفية اجتماعية لما هو مقبول بوصفه واقعاً . السؤال هو : من له الصلاحية اجتماعياً في تحديد الواقع الأكبر الذي يجب أن تتأطر بداخله التجارب اليومية لأحدنا ليعترف له بأنه سليم العقل . في الوقت الحاضر " العلم" هو المشروع الأكثر احتراماً للواقع الجديد [color="red"](11)[/color] .
الليبراليون جلبوا استعاراتهم من الرياضيات ومن علم الحركة لذلك انتشرت مفردات مثل المساواة , القانون و الوحدة , السبب , التقدّم إلى مالا نهاية ..
المحافظون وجدوها في علم الاحياء : العرق , العائلة , السلالة ...
الماركسيون وجدوا ضالتهم في الكيمياء والديناميك : مثل الكتل , القوى , ضغط الجماهير , علاقة الانتاج , المحرك للتاريخ ...
والسؤال الغائب الحاضر : كيف انتقلت هذه الاستعارات الاوروبية جسداً وسبباً ومرجعاً نحو العالم العربي ؟
" المائدة الذبابية "
لا يمكننا التطرق للبنيوية في العالم العربي من دون العودة إلى صلاح فضل صاحب " النظرية البنائية في النقد الادبي" . المثير هنا هو تاريخ صدور الطبعة الأولى من الكتاب , عام 1977 , أي بعد موت مدرستها في الغرب وظهور النص التفكيكي من خلال " محاضرة" جاك دريدا في جامعة برينستون سنة 1966 , باحدى عشرة سنة [color="red"](12)[/color] .
استطاع علم اللغة الحديث , حسب صلاح فضل , منذ تهيأ له منطلق علمي على يد مدرسة جنيف (نسبة إلى دوسوسير) أن يلعب دوراً بالغ الاهميّة في مجال الدراسات الانسانية ذات الطابع البنائي , حتّى أصبح يعد الآن ابنها الأكبر الذي وصل إلى نضجه وتنظيمه وثراء مقولاته ودقتها , إلى حد إعلان أحد الباحثين في أحد المؤتمرات المشتركة بين علمي اللغة والاجتماع ! أنّه قد تخطّى الحاجز الفاصل بين العلوم الانسانية والطبيعية وان أحد فروعه على الأقل – وهو علم الصوتيات – يتميّز بخصائص العلوم الدقيقة جميعها ! ما يؤذن بتغيير شامل[color="red"] (13)[/color] .
لا يمكننا استعراض ثلّة من المغالطات التي يحفل بها هذا النص (وإن لم يتطرّق لها المؤلّف بالتفصيل ) وحسبنا هنا غمز أبي البنيوية العربيّة وإشادته بفرع الصوتيات عبر استحضار شهادة الروسي تروبتزكوي ( trubetzkoy ) – المتخصص في الصوتيات – القائلة إنّ :الفونولوجيا المعاصرة تتسم فوق كل شيْ ببنيوتيتها وعالميتها المنطقيّة ! وكون هذا العصر الذي نعيش فيه يتّسم بالميل في جميع الأنظمة العلميّة إلى إحلال البنيويّة محل الذريّة ! والعالميّة محل الفرديّة (بالمعنى الفلسفي للكلمة ) ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه في علوم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وعلم النفس ! وحتّى علم الاقتصاد (ص 63) .
لم تخرج البنيوية من فرغ إذن , إذ سبقتها الرياضيات إلى ذلك , عندما بينت ان الجبر يات المختلفة لا تختلف سوى في بنيتها . وسرى أنموذج الجبريات البنيوية إلى باقي العلوم ..فالبنيوية في الآداب الغربيّة تعبير عن أزمة بنيوية في التفكير الأوروبي أكثر من أي شيء آخر : بشهادة –غير مقصودة وغير مباشرة في آن على ما يبدو – لصلاح فضل في معرض حديثه عن المدرسة التوليدية ( وأكبر ممثليها هما العالم النفسي جان بياجي والناقد لوسيان جولدمان . يقدم الأوّل تصوّراً نظريّاً متكاملاً عن البنية بينما يتولى الثاني تطبيق هذا التصوّر في مجال الدراسات الاجتماعية للأدب ) , من دون أن يقر علناً انها – البنيوية – تجسّد حقاً أزمة في الفكر الاوروبي , وعوض الحديث عن أزمة يفضل اللجوء نحو منهج توفيقي تلفيقي بين البنيوية والعلوم الانسانية : "يجدر بنا – يضيف صلاح فضل – قبل ان نمضي في التعرّف على كيفية تطبيق مفهوم " البنية " على بعض العلوم الانسانية الرائدة التي تعد ذات اهمية خاصة للناقد الادبي بالذات ! أن نلم عرضاً وبصفة عاجلة بطريقة استخدام هذا المصطلح في الرياضيات ! التي كانت لها انعكاسات مثمرة لدى الباحثين في الدراسات الانسانية " .
ويمكننا إضافة تلفيقات عبد السلام المسدي (صاحب "الأسلوب والأسلوبية" و " نقد الأدب " و " ومفاعلات الأبنية اللغويّة والمقومات الشخصانيّة في شعر المتنبي" , وكمال أبو ديب في جدلية " الخفاء والتجلي ..." ) ولعل مراجعة – تراجع – " أبوديب" عن العمود الفقري المؤسس لأطروحته النقدية من قبل , تصب في خانة مؤاخذة المؤلّف تجاه البنيويين العرب , والتي نوجزها في نقطتين أساسيتين :
أولاً : ضمن المنظومة الفكرية الغربية , لأن الأدباء , أو أصحاب الدراسات الانسانية عامّة , لا ينتظر منهم أن يفقهو الرياضيات كي يحاكوها ! ثم لو كانوا يفقهون فيها أو يسهل عليهم فك رموزها وطلاسمها لا ستغلّوا الرياضيات أو العلوم وتركوا الأدب والشعر رأساً .
ثانياً : إن صلاح فضل أنموذجاً , يجهل الجبر وما وراءه وتختلط عليه السبل , وليس فقط فهم المصطلح سواء بدقة أم بغير دقّة , بل في كل ما نقل .
سؤال ملح يفرض نفسه في هذا الزخم البنيوي العلمي الأدبي : كيف نطبق البنيوية الرياضية على الشعر ؟ أو كيف تمت جبرنة الشعر حسب المؤلّف ضمن هذا الهوس المرجعي التأسيسي ثم الاستتباعي في المرجعية الغربيّة ؟
أحياناً كثيرة , يكمن أفضل جواب على سؤال معين في طرح أسئلة مضادّة من صنف : لماذا يشتهر اينشتاين بنظريته النسبية مع جهله التام والمطلق بالشعر ؟ ولا تشتهر أنت بشعرك أوأدبك مع جهلك التام والمطلق بالنسبية والعلماء كافّة ؟
هذا السؤال على بداهته , لم يطرح في الغرب فأحرى أن يُطرح في العالم العربي .
" هندسة أدونيس "
قبل استعراض معالم ومحطات أدونيسية ,يفتتح المؤلّف الفصليين الأخيرين المخصصين لعلي أحمد سعيد (أدونيس) بمقتطفات من احد أهم الاعمال الادونيسية : الثابت والمتحوّل : تأصيل الأصول , والذي قيل في شأنه إن أدونيس هو الوحيد , من دون عون تقريباً , الذي يتحدّى الاستمرار الملحاح لما يعدّه الموروث المتحجّر , المقيد بالتقاليد العربية الاسلامية , العالق لا في الماضي وحسب بل في إعادة قراءة متصلّبة وصارمة وسلطوية [color="red"](14)[/color].
ليس الثابت والمتحوّل , من وجهة نظر المؤلّف (كما هو الحال مع آخر دوواين ادونيس ..الكتاب , امس المكان الآن ) , سوى تقاسيم أدونيسية للتاريخ الاسلامي بين اتجاه أول ثابت ذي منحى اتباعي وهو تيار الإسلام السنّي والآخر ابداعي تحولي ,يمثله المتصوّفة والباطنية وأصحاب الإمامة والولاية (ص 96) مستشهداً بمقطع محوري من تقسيم أدونيس للنبوة الاسلامية : " خاتمة النبوات , خاتمة الظاهر , ذلك أن لها ما يتممها في الباطن وهو الإمامة أو الولاية . فالولاية هي باطن النبوّة وبتعبير آخر هي الشريعة . أمّا الولاية فهي الحقيقة " ( ص 77) .
يعقد المؤلّف مقاربة تاريخية أكاديمية موجزة بين أطروحة أدونيس حول التصوّف العربي التي نال بها الاستاذية من شعبة الفلسفة والآداب من جامعة دمشق ومؤلّفات كل من عبد الجبار النفري (كتاب المواقف والمخاطبات) وابن عربي (كتاب الأسفار وكتاب التجليات والبسطامي صاحب الشطحات الهلامية !
فأدونيس " الذي ناجى ربّه في الرمق والقمر , حسب الموروث النصيري , ورأى بأم عينيه ظهور الإله سلمان المرشد ثم ابنه مجيب , والحافظ لذاكرة الطائفة لن يسعه , بكل ما خزن في ذاكرته من أشعار ونماذج , سوى أن يكررها أو يعيد أنتاجها " .
يعيب المؤلّف كثيراً على سلبيات تنشئة أدونيس ضمن الطائفة النصيرية قبل مغادرته قريته إلى الدراسة في دمشق سنة 1944 , بل يربط بين التنشئة وأعماله الادبية الشعريّة , قبل استعراض علاقة أدونيس مع أنطون سعادة , سعيد عقل , نذير العظمة , خليل حاوي , كمال خير بك , ويوسف الخال ( ورطة مجلة شعر مع المخابرات الأمريكية وقضية باسترناك , الكتاب الصادر في 15 كانون الأول ديسمبر من مطابع "الخال إخوان" بتمويل من المخابرات الامريكية بشهادة أدونيس نفسه في ديوان : الاحتفاء بالاشياء الغامضة الواضحة ).
ويعزو تغيير اسم على أحمد سعيد إلى ادونيس إلى الحزب القومي السوري الذي شجّع على انتحال هذه الألقاب اوالاقنعة كما هو الحال مع مهدي عامل (حسن حمدان سابقاً ) العضو في الحزب الشيوعي اللبناني والمدرّس للفلسفة بالجامعة اللبنانية .
مقاربة أخرى يعقدها المؤلّف بين التشكيل الادونيسي الأول(ضمن طائفة النصيرية ) والخلفية الايديولوجية المذهبية للأب بولس نويا و المشرف على أطروحة "الثابت والمتحوّل , والمنتمي بالنشأة إلى الطائفة السريانية , قبل أن ينضم إلى الرهبنة اليسوعية سنة 1948 , فتخصصه كلّه يحوم حول المتصوّفة من امثال ابن عبّاد الرندي , عبد الجبّار النفّري , ابن عطائ الله ,وبخاصّة الحسن بن يوسف بن خضر الشهير بالمحزون السنجاري الذي يعد من أبطال النصيرية السريّة واحد أكابر شعرائها المتصوّفة .
التشكيل الثالث في حياة ادونيس , حسب المؤلّف , (وبعد التصوّف النصيري والحزب القومي السوري ) , يأتي مع ما سمّاه بالتبنّي الثقافي الفرنسي (ص91) عبر "اشهار" أدونيس في باريس (في تشرين الثاني –نوفمبر- 1985 ) في صيغة عروض سينمائية و لقاءات ثقافية نخبويّة , أمسيات متتابعة .. مع عرض وثائقي لفيلم عن حياته منذ رأى النور في قريته " قصّابين" سورية الى تجاوزه الخامسة والخمسين في فرنسا . مشوار طويل وحافل في التقمص والتحول (ص 97) .
خصصت آخر فقرات لأهم ما جاء في العدد الخاص في مجلة "فصول" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب حول أدونيس والذي حمل عنوان " الأفق الأدونيسي " [color="red"](15)[/color] والأفق اسم مستعار , ولكي نعرف ماذا يقصد "هؤلاء" بالأفق – حسب الكاتب – فإننا نجد إحالتها عن غادامبير[color="red"](16)[/color] , سوف يستحوذ عليه التفكيكيون ليسلموه بعد إفراغ وتفريغ إلى أصحاب "نظرية التلقي" لنخلص إلى أن مسألة الأفق مسألة فلسفية أكثر منها أدبية .
تمثّلت قمة جرأة الكاتب في التبشير لجائزة نوبل للآداب القريبة كل القرب من أدونيس و متسائلاً عمّا إذا كانت تكافىء التواصل بين الشعوب والامم أم هي حصان طروادة لحرب صليبية جديدة من نوع القلم (ص 101) , ومستشهداً بحيثيات دراسة للمستعرب الإسباني بدرو مارتينيب مونتابت , صدرت في عدد "فصول" , تحت عنوان : مرشّح مستقبلي لنوبل , وحديث هذا الأخير عن جائزة نوبل للآداب "كرد لدين جزئي لأدونيس , على اعتبار أن ترشيح أدونيس كان مطروحاً على مائدة البحث بشكل دائم , وأن أعماله خاصَة الشعريّة تسير نحو الشهرة في الغرب , ويتم تقييمها بما تستحقّه من اهتمام وقد بدأ ذلك في فرنسا منذ سنوات في إطار الاهتمام بالفرنكفونيّة ..."
كانت تلكم أهم معالم " التقاسيم الثلاثة للظاهرة الأدونيسية " حسب ما ذهبت إليه إجتهادات باحث رفض التهليل والتطبيل السائد في ربوع عرب " الحداثة القبليةّ " ..





[color="Red"]مراجع وهوامش[/color] :


[color="red"]1-[/color] دكتور محمد عمران , " كيف تمّت هندسة فيروس اسمه أدونيس" , مطبعة برودار و الرباط , 1998 .
[color="red"]2-[/color] فؤاد زكريّا , بصدد التعقيب على الردود التي أثارها مؤلّف " المرايا المحدبة" لبعد العزيز حمّودة , أخبار الأدب . 31/1/1999 .
[color="red"]3-[/color] مقدّمة ابن خلدون , بيروت و دار الجيل , ص 187 .
[color="red"]4-[/color] مابين قوسين إحالة الكتاب موضوع القراءة .
[color="red"]5-[/color] " مفهوم الثقافة وفائدتها لتحرير الهوية الجمعية " , دراسات عربيّة , عدد 9/10 , تمّوز / آب – يوليو /أغسطس , 1999 , والقدس العربي , لندن : 9 /6 /1999 .
[color="red"]6-[/color] فصليّة " مقدمات" عدد مزدوج 11/12 و الدار البيضاء , خريف 97 و شتاء 98 .
[color="red"]7-[/color] يقول نتشه في جوابه على سؤال : ماهي الحقيقة ؟ " هي سحابة من الاستعارات والكنايات والتشبيهات , باختصار , جملة علاقات إنسانية رفعت نقلت وزينت بواسطة الشعر والبلاغة , والتي بعد استعمال طويل تظهر لشعب مستقر شرعية وملزمة , الحقائق أوهام ... استعارات تقادمت وفقدت كل سلطة محسوسة , عملة انمحت منها الصورة ولم تعد لها من قيمة , إلّا كمعدن " هامش ص 40 .
[color="red"]8-[/color] "Impostures Intellectuelles" , Alan Sokal et jack bricmont . ed .Odile Jcob , paris , 1997 .
[color="red"]9-[/color] أشار نعوم تشومسكي إلة إمكان توظيف بعض أطروحات سوكال ضد ما ذهب إليه من دون ان يبخس حق محور للكتاب : "تأسيس النقد ما بعد الحداثي للعلوم على الجهل " .
[color="red"]10-[/color] تسعى جوليا كريستفيا الى اجتراح نظرية شكلية حول اللغة الشعرية , وهي محاولة غامضة , لانها من جهة تؤكّد أن اللغة الشعريّة هي " نظام شكلي يمكن ان تستند نظريته على نظرية المجموعات الرياضية " . ومن جهة أخرى تقول في حاشية ان خذخ ليست سوى مقترب مجازي . لكن هذه الدعوى تواجه إشكالية اساسية : أية علاقة هناك بين اللغة الشعرية ونظرية المجموعات الرياضية ؟ ثم ان تعاملها مع الرياضيات ينطوي على أغلاط أساسية , لاسيما في مؤلّفاتها الأولى " . انظر الجزء الثاني من قراءة علي الشوك في كتاب "مثقّفون دجّالون " . تحت عنوان : الرياضيات المخادعة لأفكار سطحية , الحياة – لندن : 30/6/99 . وكان الجزء الاوّل من القراءة قد صدر تحت عنوان : "مثقّفون دجّالون " كشف المستور في زيف ادعاءات المثقفين , الحياة 16/6/99 . الجزء الثالث : "مثقّفون دجّالون" مصطلحات تقنية أو لا معنى لها , الحياة , 25 / 8/ 99 . الجزء الرابع : "مثقفون دجّالون " مابعد الحداثة واليسار , الحياة , 1/9/99 .
[color="red"]11-[/color] نظرية العلم الإله بعد الإنسان الإله .
[color="red"]12-[/color] كتب عنها يومها غودسون أستاذ الشعر في جامعة ميتشيغن : إن دريدا يُقنع القرّاء بأنهم لا يعرفون لغتهم , واكثر من ذلك فكرهم و هامش ص 70 .
[color="red"]13-[/color] د. صلاح فضل , نظرية البنائية في النقد الأدبي , ص 129 .
[color="red"]14-[/color] لا يزال أدونيس وحيداً من دون عون تقريباً يتحدّى الاستمرار الملحاح لما يعدّه الموروث المتحجّر, المقيّد بالتقاليد العربيّة- الاسلامية و العالق لا في الماضي وحسب بل في غعادة قراءة متصلّبة صارمة وسلطويّة للماضي . " الثقافة والامبريالية" , ترجمة كمال أبو ديب , دار الآداب , بيروت ,1997 , ص 369 .
[color="red"]15-[/color] "فصول" , الأفق الادونيسي و الهيئة العامّة للكتاب , مجلّد 16 , عدد2 , خريف 1997 .
[color="red"]16-[/color] في إيحاء لكتاب هانز جورج غادامبير : "تجلّي الجميل" . تحرير : روبيرت برناسكوني . ترجمة د: سعيد توفيق و المجلس الأعلى للثقافة , القاهرة و الطبعة الأولى , 1997 .

..............................................

*الدكتور منتصر حمادة كاتب من المغرب العربي .
..............................


[color="red"]المصدر :[/color]


دورية المنهاج , العدد السادس والعشرون – صيف 1423 هجرية – 2002 ميلادية .
الصفحات 191 – 203 .[/align][/font][/SIZE]

الصديق الشاذلي
إطلالتك بين الفينة والفينة بشير خير
عسى أن تنجلي الغيوم وتعود الشمس تشرق من جديد!

ملاحظة: المقالة معقدة ولم تركز في صلب الموضوع بل استطردت من غير طائل.
2 مشاركة صفحة 1 من 1

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron