منتدى لمشاركة الكتب الإلكترونية ونشرها والبحث عن موضوعات كتب متنوعة

2 مشاركة صفحة 1 من 1
صورة
عندما يلبس التاريخ ثوبه التراجيدي، يكون ذلك بالمذابح والمجازر التي خاضها زعماءٌ ضدّ شعوبهم. وعندما تتجلى صورة هذه المذابح ولا ينساها من بقي على قيد الحياة، يكون الفن في مقدمة موثقيها، حتى لا يكون للنسيان أي طريقة صوبها.
فالمجزرة التي مضى على ارتكابها أربع وعشرون سنة، كانت أن خلقت لدينا تلك القشعريرة المصاحبة للألم الإنساني، في واحدة من أقسى الجرائم ضدّ الإنسانية وبالأسلحة الكيماوية، بعد أن راح ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ أبرياء.. وما قام به الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بحق مدينة (حلبجة) الكوردية في كوردستان العراق، أعادتها إلى أذهاننا كاميرا المخرج الكوردي (أكرم حيدو) في فيلمه السينمائي الوثائقي الطويل (حلبجة - الأطفال المفقودون).
'علي'، شاب عشريني نجا من المجزرة، وأنقذه جنود إيرانيون، يكبر في إيران لدى عائلة أخرى، ولكن له قبر جماعي في المدينة المنكوبة التي دفعت 5000 ضحية خلال وقت لم يتجاوز خمس عشرة دقيقة فقط، يعود ليبحث عن أهله، ويتفاجأ بأن اسمه مدوّن على مقبرة، لتظهر فوراً خمس أُسر لها ابن مفقود، فكلّ أسرة تريده ابنها، لكن فحص الـحمض النووي DNA، يحسم المسألة نهائياً لمصلحة إحدى هذه الأسر.
حكاية 'علي'، قد تكون الخط الرئيس للأحداث، تسير معه خطوط فرعية أخرى لا تقلّ في كونها الأساس الذي يبني عليه (المخرج المعد) أحداثه الأخرى. وبين هذه وتلك، ثمة الكثير من الأوجاع في حكاية النحات، الذي فقد خمسة من أبنائه، وما بقي له في حياته صورهم وذكرياتهم، وهو يعمل معلّماً لدى مدرسة، ويمارس عمله كنحات لا يقلّ عظمة عن الكبار في منحوتاته التي تختزن الكثير من تفاصيل آلام مدينته، وكذلك صورة زوجته البائسة ذات الوجه التعبيري البالغ في الأداء الحقيقي.
كما سارت مع مآسي الأسر التي فقدت أبناءها حكايا أسر اختفت بالكامل، ولعلّ الكثير من الصور السينمائية عبّرت عن هذا الطرح، فتلك العجوز جثة هامدة على باب منزلها، وذاك الطفل كان ربما ينوي الخروج ليلعب خارجاً، الآن نصفه في 'حوش' داره ونصفه الآخر عند عتبة الباب، لأنه اشتمّ رائحة الأسلحة المسمومة تلك، وذاك العجوز يضع شاله على كتفه ويبكي بين الجثث، فعلى مَن يبكي؟ هل يبكي على واحد أم اثنين او أكثر؟
جاء الخلط بين الصور الحقيقية والمشاهد التمثيلية غير واضح، لشدة التلاصق بين ما حدث والضحايا؛ فشوارع (حلبجة) لا تزال تفوح برائحة الموت منذ أن تولّى 'علي حسن المجيد' العملية، والمعروف بـ 'علي الكيماوي'، وزير الدفاع العراقي السابق والأكثر دموية في تاريخ العراق. كما أن الكثير من الأفلام الوثائقية وثّقت هذه الحالة الإنسانية، لكن هل استطاعت منافسة هذا الفيلم؟
ما ميّز هذا الفيلم أن طريقة معالجته غير تقليدية، وأبطاله حقيقيون أكثر من الحقيقة نفسها، وهم صادقون، وما يوثق لها هي تلك الصور الوثائقية التي جمعها المخرج ليصف لنا جواً مشحوناً بالهمّ في حارات مسكونة بوجوه أطفال ترافقها أبواب محلات تُفتح في الصباح، كل هذه الصور وصورة (حلبجة) مع مفقوديها تعيش معهم في تفاصيل حياتهم كافة، من خلال إشراك كافة العناصر والمواد في الفيلم لخدمة القضية المطروحة.
امتلأ جسد الفيلم بحركة الناس البائسين وحركة عيونهم وأيديهم وتحرّكهم ضمن حدود منازلهم بلباسهم الكوردي التقليدي، وبالتالي اللعب الذكي على الشخصيات التي تحدثت دون أن تعير الكاميرا انتباهاً ملحوظاً، ودون أن نلاحظ أننا نتابع تقريراً تلفزيونياً على مجزرة فاضت إعلامياً كما يُقال..
فشخصية النحات وزوجته من جهة، ونلك العجوز التي تستقبل 'علي' وتعتقد أنه ابنها وهي تدعو له من جهة ثانية، فضلاً عن عائلات أخرى أعادت الاعتبار إلى القضية أكثر من جهة ثالثة، كانت هذه من أهم التفاصيل عاشت ضمن الفيلم وخلقت تأثيرها لتتحول إلى رموز ونداءات اعتبرها الكثيرون بدايةً للاهتمام بها مجدداً، دون نسيان أن الاهتمام بقضية الأطفال المفقودين الذين تجاوز عددهم الـ 400 طفل، على الحدود العراقية الإيرانية، لا تزال مجهولة إلى الآن، بعد ارتكاب المجزرة في السادس عشر من آذار 1988.
داخل هذه الفسيفساء السينمائية إن جاز القول، استطاع الفيلم قراءة الوجوه سينمائياً، وأن يُعيد إلى الذاكرة هذه القضية، بل وتعيش مجدداً هذه المذبحة في خيال من تابعه.
المدينة البطلة، والشخصيات البطلة، توازت مع حدث كبير أكبر من التصوير، أكبر من الحديث عنها، لكنها فسحت المجال لدموعها مجدداً بالهطول، في فسحة سينمائية مليئة بالكرب والهمّ والحزن، دون أن يمنحنا أي لحظة لفرح قادم سيأتي في إقليم عانى كثيراً ودفع ثمن استقلاله باهظاً لديكتاتور العراق، وكذلك ابتداع 'حيدو' في إخراج فيلم سينمائي حقّق أغلبية شروط العرض السينمائي الناجح، سواء في لقطاته القريبة أو القريبة جداً، أو حتى في اختياره صوراً سينمائية حقيقية، أو امتزاج كاميرته بين تلك الغصة التي تحتبسها حلوق أبطاله الحقيقيين أيضاً، وكذلك تصوير تنفسهم باللعب الجيد على المؤثرات الصوتية الحية لعملية الشهيق والزفير التي كانت بطلاً في الفيلم، تناسقاً مع موسيقى تصويرية للفنان الكوردي المعروف (جوان حاجو).
هذا الفيلم بعد أن فاز في مهرجان دبي السينمائي 2011، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، انتزع في مهرجان الخليج السينمائي في دبي هذه العام وبقوة جائزتيْ أفضل فيلم طويل وأفضل إخراج، ربما سيعيد إلى الأذهان دائماً ذكرى المجزرة، وسيحفر له مكاناً في ذاكرة الجمهور، علماً أن الفيلم هو الفيلم الطويل الأول للمخرج.

زكريات مؤلمة فما بالكم بمن عايشها
2 مشاركة صفحة 1 من 1

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron