نظرياته عن الترجمة أحدثت ثورة في علم النفس الحديث والحوسبة والعلوم المعرفية
نعوم تشوميسكي يتحدث عن «الفعالية» والحياة العلمية
صورة
جو ماكديرموت من لندن

هناك كبسولة زمنية إلى جانب مصاعد ''ستاتا سنتر'' في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. إنها تحتوي على أشياء من ''المبنى 20'' مأوى التطورات الفيزيائية الأساسية إبان الحرب، والتي بدأ الشخص البالغ من العمر 27 عاماً فيها عام 1955 في تحويل فهم البشرية للغة. المبنى القديم الأصلي لم يعد متواجداً، لكن اللغوي ما زال موجوداً، يتنقل في الماضي مرتدياً سترة منتفخة صفراء اللون.

''أستاذ تشوميسكي''، هكذا ناديته. حياني الرجل البالغ من العمر 86 عاما ومشينا عبر المبنى الذي صممه فرانك جيري وهو متجدد الهواء ومليء بالزوايا. يبتسم الطلبة ويلوحون ويفسحون المجال أكثر مما تطلبه مشية تشوميسكي الثابتة. أعتقد أن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا جزئياً هو معلم تذكاري لأفكاره. نظرياته عن الترجمة التي تقول إن اللغة تكتسب بالسليقة أحدثت ثورة في علم النفس الحديث والحوسبة والعلوم المعرفية.

''أحد الأشياء بشأن هذا المجال هو أنه لا يوجد الكثير مما يمكنك فعله فيه''، هذا ما يقوله بثبات بينما نعبر أمام مطوري الشفرات المحرومين من النوم. (أحد أمثلة طرائف تشومسكي هو أنه يدعو كلب مساعده، ''قطة''.) خرجنا إلى نهار مدينة كامبريدج الحار تجاه المطعم. يقر أنه جاء ذات يوم للالتحاق بجامعة كاليفورنيا لكن ولاية كاليفورنيا كانت شديدة الحرارة عليه. ''أحب الطقس البارد. إنه يعني أنك تنجز عملك''.

أخبرته أني شعرت بالطريقة نفسها حينما درست في جامعة هارفارد. ويقول: ''إن كليته لا تحبه كثيراًَ''. هذا ليس حقاً مكان الغداء المختار من طاقم عمل تشومسكي. رحب به مطعم ''ذا بلاك شيب'' كما هو الحال دوماً. دلنا أحد المضيفين المرحين على الطاولة في الزاوية المريحة على طراز الحانات. يمكنني القول أن اسم المطعم ملائم. ''باستثناء معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا ليس لدي الكثير من التواصل مع العالم الأكاديمي الرئيس''.

مع ذلك فإن السيد تشومسكي البعيد عن التيار السائد لا ينزل إلى عمله الأكاديمي. فالإشارة إليه كلغوي كأنك تقول إن أرنولد شوارزنيجر هو حارس شخصي. يمكن القول إن تشومسكي هو الناشط السياسي الأبرز في العالم. بالنسبة لخصومه إنه مهووس يرى أن الشر صنع في أمريكا. وبالنسبة لمؤيديه، فإنه شخص شجاع يقول الحقيقة ومعني بالإنسانية بلا هوادة؛ إنه بيرتراند راسل عصرنا هذا.

أنا على وشك أن أسأل الأستاذ عن هوجو تشافيز الذي مات قبل مقابلة غدائنا تلك، لكن النادلة وصلت وسألت عن طلباتنا. اختار تشومسكي حساء الحلزون الصدفي والسلطة مع الجوز الأمريكي والجبنة الزرقاء والتفاح والكثير من الأوصاف. وأنا اخترت حساء الطماطم وسلطة السلمون. طلب الأستاذ كوباً من القهوة وحيث إننا على وشك الحديث بشأن قائد فنزويلا الراحل طلبت كوباً أنا الآخر.

في عام 2006 ذكر تشافيز كتاب تشومسكي ''الهيمنة أو البقاء على قيد الحياة: السعي الأمريكي للهيمنة العالمية'' في الجمعية العامة للأمم المتحدة. يقول تشومسكي عن إرث تشافيز إنها ''قصة مختلطة''. يشير إلى تقليل الفقر وزيادة الأمية. ''من ناحية أخرى هناك الكثير من المشاكل''، مثل العنف وفساد الشرطة؛ إنه يذكر العدائية الغربية أيضاً – على وجه الخصوص محاولة الانقلاب في عام 2002 التي دعمتها الولايات المتحدة. تصرف أمريكا تجاه كاراكاس من الواضح أنه كان مهماً في أي تقييم لتشافيز لكن ظهوره له دلالة مبكرة لنمط في مناقشة تشومسكي: الحديث طويلاً بما يكفي عن السياسات مع الأستاذ واحتمالات السياسة الخارجية الأمريكية أو الاشتراكية القومية التي تم ذكرها تقارب إحداها.

أقول إن هذا لم يشر إلى سجل حقوق الإنسان لتشافيز. بعض نقاد تشومسكي اتهموه أنه متساهل مع أخطاء المستبدين طالما أنهم أعداء للولايات المتحدة. وينكر تشومسكي هذا بشدة: تحدث علناً ضد توطيد السلطة من هيئة الإذاعة والتليفزيون؛ واحتج على قضية ماريا لورديز أفيوني، القاضية التي أمضت أكثر من عام في السجن تنتظر محاكمة لأنها انتقدت الحكومة. ''وأقوم بملايين القضايا مثل هذه''.

ما زال تشومسكي يفكر كيف أنه من الصعب أن يصيب هدفه. يعترف بينما وصل حساؤنا. ''افترض أني انتقدت إيران. فما هو التأثير الذي سيحدثه هذا النقد؟ التأثير الوحيد سيكون دعم هؤلاء الذين يريدون تنفيذ سياسات لا أتفق معها مثل القصف بالقنابل''. ويقول إن أي نقد لنقل مثلاُ لتشافيز، ستتردد دوماً في الإعلام السائد، في حين أن تلك التي يقولها عن الولايات المتحدة لن يتم عمل تقرير بشأنها. هذه المعاملة غير العادلة منافية كثيراً طبقاً للسيد تشومسكي. يقول إن المثقفين يحبون أن يعتقدوا أنهم محطمون للرموز. ''لكن إذا ما ألقيت نظرة على التاريخ سيكون الأمر معاكسا تماماً. المثقفون الذين تم تبجيلهم هم أولئك الذين أطاعوا وخدموا مصالح السلطة''.

في عام 1967 نشر ''استعراض نيويورك للكتب'' مقالة بعنوان ''مسؤولية المثقفين''، وهي مقالة باهرة لتشومسكي البالغ من العمر حينها 38 عاماً. وفيها أعلن الخنوع للسلطة من صفوة المثقفين في واشنطن. واليوم ما زال يركز حنقه على الولايات المتحدة على أساس أن لديها السلطة الأكبر وهو مواطن أمريكي. وهذا يبدو منطقياً في رأيي، لكن أليس موقفه في مجتمع آخر، اليسار المناهض للحرب، يعني أن عليه أيضاً واجب ليشير إلى الأفعال الخاطئة من رموزه؟

''ربما بعضها، يجب أن تهتم نسبة قليلة بهذا المجتمع. لكن لا يوجد مكان قرب (النسبة المهتمة) بمسؤولية الدولة الأمريكية ووسائل الإعلام''.

قال تشومسكي إنه إذا ما حكم ضد المبادئ المنصوص عليها في محاكمات نورمبرج، فإن كل قائد أمريكي سيكون مذنباً بجرائم حرب. سألته عن رأيه في باراك أوباما. ماذا عن الرئيس الذي عارض الحرب على العراق؟ ''إنه يشن حملة اغتيال عالمية''. وهذا هو تشومسكي الكلاسيكي، يقول فكرة استفزازية بنبرة في واقع الأمر تتحدى المحاور على الرد. أخذت الطعم وسألته أن يشرح. ''لنفترض أن بعض المسؤولين الألمان من النازيين كانوا يشنون حملة اغتيال في الغرب، كان هذا سيؤهل نورمبيرج''.

ومع أننا ما زلنا نرتشف الحساء، أحضرت النادلة لنا أطباقنا الرئيسة. وبدت هذه إشارة لنأخذ استراحة من جرائم الحرب التي نناقشها. وفي محاولة لإحداث ردة فعل لديه سألت عما إذا كان يشعر أنه عاش على المعايير التي وضعها في مقالته تلك كل هذه السنوات؟ قال: ''ليس حقاً، هناك أشياء عديدة كان على أن أبذل فيها أكثر''. قال إنه بدأ يقاوم التورط الغربي في فيتنام بعد عشر سنوات متأخرة للغاية ''هذه حالة واحدة''. يتمنى لو أنه فعل المزيد: في شرق الكونغو وسريلانكا وبشأن التغير المناخي على سبيل المثال.

تقريباً كل شيء حتى ردود الفعل الشخصية تبدو أنها تعود إلى السياسة. من الواضح أن تشومسكي يعتقد من أعماق قلبه رأي ماركس بشأن دور الفيلسوف (''الفلاسفة فسروا العالم وحسب . . . لكن أياً كان فإن المغزى هو تغييره''). لكن هل تمنى لو أنه أمضى المزيد من الوقت في عمل بحث صاف؟ ''ما يجري فعلاً ليس أكاديميا، إنه حياة شخصية''. إنه يمضي ست أو سبع ساعات يومياً في الرد على البريد الإلكتروني ما يترك له القليل من الوقت لهواياته.

''الشيء الوحيد الذي بحثت عنه طوال الوقت هو الحفاظ على وقت للعائلة''. لديه ثلاثة أبناء، وخمسة أحفاد وجميعهم بالغين، ولديه ابن لحفيده والذي يلعب بين الحين والآخر بلعبة عربة الإطفاء في المطعم. زوجته واللغوية الزميلة كارول تشومسكي ماتت في عام 2008. ''منذ ذلك الحين استغرقت في العمل''. سألت عما إذا كان هذا متعمداً أم أمراً انهزامياً. وبعد توقف نادر لبرهة، قال: ''حسناً أشار جون ميلتون إلى أن العقل هو مكان غامض، لذا من يعرف؟''

فهمت التلميح وسألته عن الطعام. ''إنه جيد دائماً ها هنا، لست ذواقة جيدا لكن هذا هو المكان الوحيد الذي أذهب إليه''. مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إنه مألوف وودي. ''حتى أني أحصل على مشروب مجاني حينما أصل في المساء''. يرتشف أنواع ''جين'' و''تونيك''. أليس هذا بخليط استعماري مروع؟ يقول مشيراً إلى نفسه، ''حسناً إنه استعمار بريطاني. أنا أمريكي جيد''.

وقتها فقط جاءت امرأة كان قد أجلسها على الطاولة المجاورة وقالت، ''أشكرك بشدة''، ورحلت. ردة فعل تشومسكي هادئة؛ خصائصه الجريئة لا تتواني تحت شعره الأبيض الرائع. يقول: ''لا أعرف من تكون''. قلت له إنه مشهور. ''إنه مكان صغير''.

الطعام هنا مختلف تماماً عن الوجبات التي قدمتها والدة تشومسكي، المهاجرة من روسيا البيضاء، لنعوم ووالده المولود في أوكرانيا في موطنهم في مدينة فيلادلفيا. يتذكر تشومسكي هذا الطعام بولع، مع أنه ''بمعايير اليوم، سيقول أي شخص أن هذا سم: لحم دهني من شرق أوروبا وقشدة حامضة''.

سألته عن تنشئته – هل جاء الدافع السياسي قبل الخيال الأكاديمي؟ ''نعم منذ الطفولة''. قبل أن يكون مراهقاً كان يكتب للصحيفة المدرسية عن انتشار الفاشية في أوروبا. ''كان أمراً مروعاً للغاية. كان والداي يستمعان إلى خطب هتلر الحاشدة في نومبيرج على المذياع. ولم أكن أفهم كلمة واحدة''.

يمكنني القول إن تاريخه يذكرني ببداية فيليب روث في كتابه ''الحبكة المناهض لأمريكا''، التي تتخيل التداعيات على عائلة يهودية من نصر كارلس ليندبيرج في الانتخابات الرئاسية عام 1940. يقول تشومسكي إن الأمر كان قريباً للغاية من هذا''. ما جعلني أنتقد شيئاً آخر في تشومسكي، التي أعلن عنها أمثال الصحفي البريطاني الراحل كريستوفر هيتشينز – هذه المعارضة للحرب على العراق التي بدأت منذ نحو عشر سنوات مثلت ترضية لصدام حسين الذي يمثل فاشية العصر الحديث. ''بالطبع لا. إذا ما كنت تعتقد أنه في الملعب نفسه مع هتلر إذاً فعليك أن تدين ريجان وبوش في الأساس لأنهما أيداه بشدة''.

استطرد الأستاذ في التحقيق. سيكون لقراء كتابه ''11/9: هل كان هناك بديل'' ألفة في أسلوبه في النقاش: لمقارنة حدث ارتكبه أعداء الولايات المتحدة مثل القاعدة في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، مع حادث تورط الولايات المتحدة بالإطاحة بالرئيس سلفادور أليندي في شيلي في 11 أيلول (سبتمبر) 1973.

''فكر قليلاً فقط فيما ندعوه الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) . . . تخيل لو أن الطائرة التي أسقطت في بنسلفانيا أصابت هدفها، والذي كان على الأرجح هو البيت الأبيض. وتخيل أنها قتلت الرئيس، ما أدى إلى انقلاب عسكري كان مخططاً له، والذي أطاح بالحكومة وقتل عدة آلاف من الناس وعذب عشرات الآلاف وأسس لمركز إرهاب عالمي ساعد في تنصيب الحكومات النازية الجديدة عبر الإقليم، ونفذ اغتيالات . . . كان الأمر سيصبح أسوأ بكثير من أحداث 11/9 بلا جدال. وحقيقة أنه ليس بإمكاننا أن نرى فهذا تعليق على المجتمع والثقافة الغربية''.

مجال المجزرة المقارنة يجعلني أشعر بعدم الارتياح: ينطوي أنموذج الأستاذ على أنه يوجد تكافؤ أخلاقي، هذا ما أقوله، بين الولايات المتحدة والقاعدة، وينطوي على استخفاف بمسؤولية الجنرال بينوشيه لسنوات القمع التي جرت بعد الانقلاب.

ويقول: ''حينما أقارن الاثنين، فليس هذا على أساس المسؤولية، لكن من حيث طبيعة الفظاعة. وفي سياق منفصل يأتي السؤال عن المسؤولية. لم يكن هناك أمريكا أرسلت طائرات لتقتل رئيس شيلي لكن الولايات المتحدة فعلت ما بإمكانها لتنفيذ الانقلاب العسكري''.

بدأ الوقت المخصص لغدائنا في النفاد. هناك طالب ينتظر من أجل تشومسكي، لذا تخطيت عدة أسئلة خططت لها وسألته عن السؤال الذي أربكني عند محاولة فهم عمله ما هي الصلة، إذا وجدت، بين بحثه الأكاديمي ونشاطه؟ يبدو أنه لا ترابط بينهما، في رأيي.

''يجب أن يكون لها علاقة بسؤال: ما هو الجوهر الأساسي للطبيعة الإنسانية؟'' كتب مفكرو عصر التنوير الباكر عن كيف أن الشخصية الإبداعية التي فرقت الإنسان عن باقي العالم العضوي. هذه الشخصية تتجلى بشكل واضح للغاية في اللغة. وسع مفكرون جاءوا بعدهم من هذه الفكرة لتمتد إلى المحيط الاجتماعي. ''لذلك إذا ما كان هناك أي شيء يحد من الحاجة الطبيعية لشخص ما لتنفيذ عمل إبداعي تحت إشرافهم الشخصي، فهذا غير شرعي''.

وحينما نهضنا من على الطاولة سألت عن ما إذا كان سيصبح مبدعاً دوماً في العمل. ''حينما أكون منتصباً: هناك الكثير لأفعله''.

هل يفكر في الموت؟ ''اعتدت أن أفعل هذا حينما كنت طفلاً. اعتقدت أنه مروع لكني تخطيت هذه المرحلة''.

شرحت لتشومسكي أن ''فاينانشيال تايمز'' تتحمل تكاليف الغداء. قالت النادلة ''بريندا أنديرسون دفعت حسابك''. لم يكن الاسم مألوفاً واقترحت على تشومسكي أن هذا يكسر القواعد نوعاً ما. قال: ''إنه مكان رائع''، من غير المدهش إنه لم يكترث بكسر القاعدة. لكنه غادر المطعم قبل أن أجد السيدة أندرسون، التي تبين لاحقاً أنها مديرة المطعم. ''حسناً بإمكانك العودة وإعطائهم بقشيشاً جيداً. إنهم أناس جيدون''.

وفي طريق العودة إلى مبنى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أشار تشومسكي إلى أن مكتبه الآن يطل على مبنى كوش، على اسم أخ المليونير الداعم لحزب الشاي. يقول: ''إنهم قوة قاتلة''. سألته ماذا عن الفصول الدراسية للوكهيد مارت التي تجاوزناها في الردهة؟. ''تمكنت من تجنبها إلى الآن''. شرح أنه حينما التحق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كان يمول بقرابة 100 في المائة من البنتاجون ''لكن معملنا كان أيضاً واحداً من المراكز الأساسية لحركة المقاومة المناهضة للحرب''.

وصلنا إلى كبسولة الزمن. سألته، ما الذي تعتقد أن مؤرخاً في المستقبل سيكتبه عنك. ''أعتقد أنه سيكون لديه مواضيع أهم ليتحدث عنها''، هذا ما قاله تشومسكي قبل أن يحيي بحرارة الطالب ويعتذر عن تأخره.

المصدر